محمد بن محمد ابو شهبة

299

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ما رأينا مثل صبرنا على هذا الرجل قط : سفّه أحلامنا ، وشتم اباءنا ، وعاب ديننا ، وفرّق جماعتنا ، وسب الهتنا ، وصرنا منه على أمر عظيم ، فبينما هم في ذلك طلع رسول اللّه ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، فعرف ذلك في وجهه فمضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، ثم مرّ بهم الثالثة ففعلوا مثل ذلك ، فأقبل عليهم قائلا : « أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح » ، فأخذت القوم كلمته ، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع ، حتى إن أشدهم فيه وصاة بإيذائه ليرفؤه « 1 » ويلاطفه ويقول له : انصرف أبا القاسم راشدا ، فما كنت بجهول ! ! وهكذا كان الواحد منهم يأتي إليه قاصدا الشر ، أو ينال منه بالسب ، فإذا واجهه النبي اضطرب ، وتلعثم ، وخارت قواه « 2 » . إسلام حمزة بن عبد المطلب « 3 » وكان السبب في ذلك أن أبا جهل مرّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند الصفا فاذاه وشتمه ، ونال منه بعض ما يكره ، فلم يكلمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانت هناك مولاة لعبد اللّه بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك ، ثم انصرف عنه ، فعمد إلى ناد من قريش ، فجلس معهم ، فلم يلبث حمزة أن أقبل متوشحا « 4 » قوسه راجعا من قنص « 5 » له - وكان صاحب قنص يرميه ، ويخرج له - وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة ، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم ، وتحدث معهم ، وكان أعزّ فتى في قريش ، وأشدهم شكيمة ، فلما مرّ بالمولاة قالت له : يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد

--> ( 1 ) ليهدئه ويسكنه . ( 2 ) السيرة لابن هشام ج 1 ص 289 ، 389 ؛ والبداية والنهاية ج 3 ص 45 ، 46 . ( 3 ) قد اختلف في سنة إسلامه ، فقيل : سنة ست ، وقيل : في السنة الثانية من المبعث ، وبه جزم الحافظ في الإصابة . ( 4 ) متقلدا . ( 5 ) بفتح القاف والنون : صيد له .